محمد محمد أبو موسى
613
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وانما فعل ذلك لغرض الاحسان وهو التكليف ليتمكن من اكتساب ما لا يحسن فعله في حقه ابتداء من التعظيم العظيم ، مع الدوام في ضمن التمتيع من أنواع المشتهيات بما لا عين رأت . ولا أذن سمعت ، ولا خطر على بال أحد ، مخلصة أن يشوبها منغص ما ، فيكتسبه ان شاء لا بالقسر ، ولذلك وضع زمام الاختيار في يده ، ممكنا إياه من فعل الطاعة والمعصية ، مريدا منه أن يختار ما يثمر له تلك السعادة الأبدية ، مزيحا في ذلك جميع علله ، فشبه حال المكلف الممكن من فعل الطاعة والمعصية مع الإرادة منه أن يطيع باختيره بحال المرتجى المخير بين أن يفعل وأن لا يفعل ، ثم تستعير لجانب المشبه : لعل » « 60 » . وهذا شرح وتوضيح لقول الزمخشري في هذه الآية انها « واقعة موقع المجاز لا الحقيقة ، لأن اللّه عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف ، وركب فيهم العقول والشهوات ، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم ، وهداهم النجدين ، ووضع في أيديهم زمام الاختيار ، وأراد منهم الخير والتقوى ، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ، ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان . كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وألا يفعل » « 61 » . وقد ذكر السكاكى مع هذه الآية قوله تعالى : « فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ » « 62 » وكلام الزمخشري فيها مشهور ، ثم قال : هذا تلخيص كلام الأصحاب ، ولا أعرف أحدا من البلاغيين سبقه بدراسة هذا الموضوع بينه غير الزمخشري . وإذا كنت قد أشرت إلى أخذه الكثير من الكشاف فيجدر أن أقول إن السكاكى كان ذا عقل قوى ، يستوعب ما يقرأ ، فإذا كتب ما استوعب كانت كتابته مصبوغة بصبغة عقله ، حتى كأنها من بناته ، لأنه يكتب
--> ( 60 ) المفتاح ص 203 ( 61 ) الكشاف ج 1 ص 70 ( 62 ) القصص : 8